عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
181
خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )
أعرفك ، ثم قالت : أنا اليوم أصحبكما وأنتظر الليلة معكما ، فجعلت تمشي في جانب الوادي - أو قال : في جانب الطريق ، ونحن نمشي في الجانب الآخر ، فلما كان العشاء إذ نحن بطبق نازل من الجو ، فلما استقرّ بين يدي وجدنا فيه ستة أرغفة وحلاوة وبقلاء . قالت : الحمد للّه الذي أكرمني وأكرم ضيفي ، إنه ينزل عليّ كل ليلة رغيفان ، فأكل كل واحد منا رغيفين ، ثم نزل علينا ثلاثة أباريق ، فشربنا منها ماء لا يشبهه ماء الأرض لذة وحلاوة ، ثم ذهبت عنا في ليلتها تلك فأتينا مكة ، فلما كنا في الطواف منّ اللّه عز وجلّ على الشيخ عدي بمنازلة من أنواره ، فغشي عليه حتى يقول القائل : إنه قد مات ، وإذا تلك الجارية واقفة على رأسه وهي تقول : سبحان الذي لا تقوم الحادثات لتجلّي نور جلاله إلا بتثبيته ، ولا تستقر الكائنات أيضا لظهور صفاته إلا بتأييده ، بل اختطفت سبوحات قدسه العقول ، وأخذت بهجات بهائه ألباب الفحول « 1 » . قال : ثم إن اللّه تعالى وله الحمد الذي منّ عليّ بمنازلة من أنواره في الطواف أيضا ، فسمعت خطابا من باطني قال : يا عبد القادر اترك التجريد الظاهر والزم تفريد التوحيد وتجريد التفريد ، فسنريك من آياتنا عجبا ، فلما ثبت مرادنا بمرادك ثبت قدمك بين أيدينا ، ولا ترى في الوجود تصريفا لسوانا يدم لك شهودنا ، واجلس لنفع الناس ، فإنا لنا خاصة من عبادنا سنواصلهم على يدك إلى قربنا ، فقالت لي الجارية : يا فتى ما أدري ما شأنك اليوم ، إنه ضربت عليك خيمة من نور ، وأحاطت بك الملائكة إلى عنان السماء ، وشخصت إليك أبصار الأولياء في مقاماتهم ، وامتدّت إلى مثل ما أعطيت الآمال ، ثم ذهبت فلم أرها بعد ، رضي اللّه عنهم أجمعين وعن جميع الصالحين . الحكاية السادسة بعد المائة عن الشيخ محمد عبد اللّه البطائحي رضي اللّه عنه قال : حضر مجلس شيخنا الشيخ محيي الدين عبد القادر رضي اللّه عنه أبو المعالي محمد بن أحمد البغدادي التاجر رحمه اللّه ، فأخذته حقنة شديدة منعته من الحركة لشدتها ، وبلغت منه الجهد ، فنظر إلى الشيخ نظرة المستغيث ، فنزل الشيخ مرقاة ، فظهر على المرقاة العليا رأس كرأس الآدمي ، ثم نزل أخرى فنظر كتفان وصدرا ، وما زال ينزل
--> ( 1 ) انظر : بهجة الأسرار ( ص 111 ) .